languageFrançais

'هيجيلي موجوع' و'مراية الحب'.. ثامر عاشور يكتب ليلة الحب على ركح قرطاج

حين غنّى ''تسلم''.. رقصت الذكريات، وحين قال ''ياه''.. تنفّست الحكايات، وحين أطلت ''مراية الحب''.. اكتشف ثامر عاشور أن الجمهور التونسي كان يحفظ قصته الغنائية سطرا سطرا.

في قرطاج، لا تكفي الأغنية الجميلة وحدها.. هناك مسرح يختبر الفنان، وجمهور لا يمنح قلبه بسهولة. لكن ثامر عاشور دخل إلى المسرح الأثري مساء السبت 8 أوت، وكأنه يدخل إلى ذاكرة جمهوره، فكانت ساعتان من الغناء أشبه برحلة طويلة في تفاصيل الحب: بداياته، ولهفته، غيابه، وجعه، وذكرياته التي لا تموت.

ومن ''تسلم'' إلى ''ياه''، ومن ''قصر بعيد'' إلى ''أولاد الحلال''، ومن ''هيجيلي موجوع'' إلى ''مراية الحب''... لم يكن ثامر عاشور يغني فقط، بل كان يفتح أبوابا قديمة في قلوب الحاضرين، ويستدعي معها وجوها وأسماء وذكريات ربما ظن أصحابها أنها نامت طويلا.

 


قرطاج... حين تحفظ المدرجات الأغنية


وقبل ساعات من انطلاق الحفل، كان الجمهور قد بدأ في التوافد. ومع صعود ثامر عاشور إلى الركح، بدا واضحا أن الموعد ليس مجرد حفل غنائي، بل لقاء مؤجل بين صوت مصري وجمهور تونسي حفظ أغنياته كما تحفظ الحكايات التي تشبهنا. 28 أغنية في نحو ساعتين، لكن الرقم لا يقول كل شيء. فكل أغنية كانت تحمل معها حالة كاملة، وكل لحن كان يستدعي تصفيقا، وكل جملة غنائية كانت تجد طريقها إلى آلاف الأصوات التي ردّدتها معه في مشهد جعل المسرح الأثري يبدو وكأنه يغني بصوت واحد وكان الجمهور يعرف الكلمات قبل أن ينطق بها عاشور، ويكمل الجمل الموسيقية قبله، ويستقبله بالزغاريد والتصفيق، في واحدة من أكثر لحظات السهرة دفئا وصدقا.


ولعل أكثر لحظات السهرة دلالة كانت مع أغنية «مراية الحب»، من ألبومه الجديد الذي صدر قبل نحو أسبوعين فقط. غنّاها ثامر عاشور لأول مرة على ركح قرطاج، لكنه لم يكن يتوقع أن يجد الجمهور التونسي قد حفظها بهذه السرعة. توقف عاشور بدهشة وسأل جمهوره: متى لحقتوا تحفظوها؟ هي طلعت من أسبوعين فقط! كانت الإجابة في آلاف الأصوات التي رددت الأغنية معه. في تلك اللحظة، لم تعد ''مراية الحب'' مجرد أغنية جديدة، بل أصبحت جزءا من ذاكرة قرطاج.

 

ينفع أغني هنا كل يوم؟

لم يخف ثامر عاشور دهشته من التفاعل التونسي. وأمام ذلك الحب المتدفق من المدرجات، خرجت منه جملة تختصر الكثير: ينفع أغني هنا كل يوم؟، سؤال بدا في ظاهره عفويا، لكنه كان في الحقيقة اعترافا بأن الفنان وجد نفسه أمام جمهور لم يكتف بالاستماع إليه، بل احتضن أغنياته وردّها إليه مضاعفة. وهكذا تحولت العلاقة بين الفنان والجمهور إلى حوار حقيقي: هو يغني... وهم يجيبون. فثامر عاشور لا يقف على المسرح كمغن فقط فخلف صوته، هناك ملحن وكاتب يعرف جيدا كيف يصنع الأغنية التي تبدأ من الأذن وتنتهي في القلب.


واختار عاشور، منذ بداياته، أن يجعل من الرومانسية الحديثة لغته الخاصة، دون أن يتخلى عن جذور الأغنية المصرية الطربية. لذلك جاءت أعماله مزيجا بين بساطة التعبير وعمق الإحساس، وبين اللحن السلس والشحنة العاطفية التي تمنح الأغنية قدرتها على البقاء. وقبل أن يثبت حضوره كمطرب، كان عاشور قد صنع اسما له كملحن، وكتب ولحّن لعدد من كبار الفنانين، من بينهم أنغام وشيرين وإليسا وأصالة ومحمد منير وغيرهم. وفي قرطاج، استعاد جانبا من هذه التجربة، مقدما في شكل ميدلي عددا من الأغاني التي منحها لزملائه، من بينها ''الله أعلم'' لفضل شاكر و''يا ريتك فاهمني'' لأنغام. كأن الفنان أراد أن يقول لجمهوره إن حكايته مع الأغنية لا تبدأ حين يمسك الميكروفون، بل تبدأ قبل ذلك بكثير.. من الورقة، من اللحن، ومن سؤال بسيط: كيف يمكن أن تتحول المشاعر إلى أغنية؟

وبين الوجع والحنين.. راوح الفنان المصري وجمهوره على مدارج المسرح الروماني ففي ''عشت معاك حكايات'' حضرت الذاكرة وفي ''غيبة الحبايب'' كان الغياب أكثر وضوحا ومع ''ذكريات كدابة'' عاد الماضي بكل تناقضاته أما ''هيجيلي موجوع''، فكان الوجع حاضرا بكل ثقله، قبل أن تعود «مراية الحب» لتضع للحكاية عنوانا جديدا. وهنا تكمن قوة ثامر عاشور: أنه لا يغني الحب باعتباره فرحا فقط، يغني الحب حين يأتي، وحين يرحل، وحين يتأخر، وحين يصبح ذكرى، وحين يترك وراءه سؤالا لا يجد إجابة. ولم يكن الجمهور مجرد مستمع كان شريكا في الحفل: يغني، يصفق، يزغرد، يطلب، ويكمل الكلمات. وكان عاشور يعرف متى يترك للأغنية أن تقوده، ومتى يترك للجمهور أن يقودها. فصنعت تلك الكيمياء واحدة من أجمل صور السهرة: آلاف الحناجر تردد أغنيات فنان مصري على مسرح تونسي، وكأن الحدود تختفي حين تبدأ الموسيقى.
 

 

ولم يدخل ثامر عاشور قرطاج ليختبر قدرته على الغناء فقط، بل ليختبر مشروعه الفني كله. وكانت الإجابة واضحة: فنان يعرف صوته، يعرف مساحاته، ويعرف الأغنية التي تليق به فلم يكن المسرح الرّوماني مجرّد خشبة  بل كان قلبا كبيرا يتسع لآلاف العاشقين للأغنية الرومانسية. وكان ثامر عاشور في قلب ذلك المشهد، يغني للحب بكل وجوهه، فيما كان الجمهور يرد عليه بالحب نفسه.

الواثق بالله شاكير